اغناطيوس يوليانوفتش كراتشكوفسكي ( تعريب : عثمان هاشم )

339

تاريخ الأدب الجغرافي العربي

البندقى ؛ وعقب هذا مباشرة أخذت تفقد أهميتها بالتدريج لهرمز على الساحل الفارسي ولم تلبث أن طواها النسيان في آخر الأمر 24 . وخلال إحدى تلك الأسفار وذلك في عام 596 ه - 1199 علم ياقوت بوفاة سيده وإعتاقه له فأصبح بذلك حرا طليقا . ومنذ تلك اللحظة استقر ببغداد واحترف نهائيا مهنة استنساخ الكتب وبيعها ، الأمر الذي يذكرنا بصاحب « الفهرست » المشهور الذي مر الكلام عليه فيما تقدم من هذا الكتاب . ولكن ياقوت لم يلبث أن بدأ تجواله ابتداء من عام 610 ه - 1213 ، ذلك التجوال الذي استمر ستة عشر عاما إلى لحظة وفاته ، ولم تتخلله سوى وقفات قصيرة الأمد . ويمكن تكوين فكرة عن رحلاته هذه اعتمادا على الإشارات الواردة بمعجمه ، وقد ساهم في ذلك فستنفلد إلى حد كبير . بدأ ياقوت تجواله مارا بتبريز والموصل في طريقه إلى الشام ومصر أولا ، وبعد ثلاثة أعوام من ذلك ، - - أي في عام 613 ه - 1216 ، نبصره مرة أخرى بدمشق التي غادرها إلى حلب فإربل ثم أرمية فتبريز ومنها إلى إيران الشرقية . وأمضى عامين بنيسابور حيث علق قلبه حب فتاة من أهلها ، ثم غادرها إلى هرات وسرخس إلى أن بلغ مرو . وبمرو أمضى عامين متنقلا بين مكتباتها الشهيرة التي وصفها الكثيرون بحماس شديد ، ولم يلبث أن واتته فكرة الاستقرار بها نهائيا خاصة وأن فكرة وضع المعجم قد انبعثت لديه هناك في عام 615 ه - 1218 . وكان معتزما زيارة خوارزم وبلخ عندما تواترت إلى مسامعه أخبار خروج المغول عام 616 ه - 1219 ثم استيلائهم على بخارى فسمرقند ، فهرب ياقوت إلى خراسان تاركا وراءه بعض مادته العلمية وفي طريقه مر بالري وقزوين وتبريز إلى أن بلغ الموصل فدخلها فقيرا معدما لا يملك شروى نقير غير أن عطف « الوزير الفيلسوف » 25 ابن القفطي ( توفى عام 646 ه - 1248 ) وزير السلطان الظاهر بن صلاح الدين الأيوبي صاحب حلب 26 ، أمكن له فرصة العمل بضعة أعوام في معجمه الذي لم بلبث أن أتم تسويده في عام 621 ه - 1224 ورفع أولى مخطوطاته إلى ابن القفطي 27 ، وكان نازلا عليه بحلب . وفي عام 624 ه - 1227 توجه مرة أخرى إلى فلسطين ومصر ثم رجع إلى حلب وأخذ على عاتقه ابتداء من أول يناير 625 ه - 1228 تهذيب المعجم ولكن الوفاة عاجلته دون ذلك فقد انتقل إلى جوار ربه في العام التالي لهذا وذلك في العشرين من أغسطس عام 626 ه - 1229 بخان عند أحد أبواب حلب ولمّا يتجاوز الخمسين . وقد وقف كتبه على مسجد ببغداد وكلف بتنفيذ وصيته هذه صديقه المؤرخ المعروف ابن الأثير 28 فحملها إلى هناك . وخلال عام من وفاته زار حلب مؤلف كتاب التراجم المشهور ابن خلكان وذكر أن أهل العلم كانوا لا يزالوا يثنون عليه ويتذكرون فضله وأدبه 29 . وأمام الظروف القاسية التي اكتنفت الأعوام الأخيرة من حياته يجب أن نعجب لا للعدد الضئيل من الأخطاء الذي وجد الطريق إلى مصنفاته بل لعدد هذه المصنفات الكبير وقيمتها العالية التي لا يتطرق إليها الشك . ويحتل المكانة الأولى بينها من وجهة نظرنا دون منازع معجمه الجغرافي الكبير الذي سنقصر حديثنا عليه الآن .